من تتوقع أن يتوج بطلاً لدوري أبطال أوروبا 2019 ؟!

مستقبل غامض ينتظر اللاعب

بتر الاحتلال قدمه .. اللاعب أبو عبيد .. لا حلم ولا حقيقة

الأمل, الطموح, المستقبل, النجاح, الهدف, الفوز, السفر, التألق, الابداع, الاحتراف، وغيرها الكثير من الكلمات, وجدتها معلقة على جدران غرفة بسيطة في منزل لا تتجاوز مساحته الـسبعين مترًا يقع في شمال قطاع غزة, للوهلة الأولى تأكدت أن هذه الأمتار البسيطة مخصصة لأكثر من سبعة أفراد, لطالما حلموا في نومهم ويقظتهم بالخروج من واقع "سيءٍ" كأقل وصف يكمن أن يطلق على مكان يفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية.

عدت مرة أخرى أتأمل المشهد بعمق أكثر .. أشكال وابتسامات مرسومة, تحمل معانٍ عديدة في مقدمتها "التفاؤل", رافقت بعيني تلك الكلمات المكتوبة على الورق الملون التي اعتقد صاحبها أنها ستحمل الفرح له في حياته, كما هي التي تبعث الأمل, لكن رصاص الاحتلال كان الأقرب والأسرع وأيضًا الأفظع.


10985525_380762348761224_9062508727491213721_n

تنهيدة ودمعة

باب يفتح وكرسي متحرك بدأت أجزاء منه تظهر .. يسير نحوي ببطيء .. شعرت أنه بحاجة إلى المساعدة لصعوبة حركته, فانطلقت إليه كي أوصلوه إلى سريره, نظرت إلى قدميه ولم أطل النظر, فجأة عيناي مقابل عيناه, كانتا تحملان الكثير من الكلام المؤلم الموجع, تنهد ثم احتك فك أسنانه العلوي بالسفلي قهرًا, الصوت واضح, كان لابد من إسماعه بعض الكلمات علها تجد طريقًا إلى قلبه وعقله ليهدأ.

الصمت في الغرفة حيث جلسنا ساد لأكثر من "10" دقائق, إلا من تلك التمتمات الصادرة من اللاعب "محمد أبو عبيد" ابن الـ "23" ربيعًا, وهو يقول( ): "قتلوا حلمي .. قتلوا حلمي", ويده التي لم تكد تتوقف ثم تعود لتمسح دموع عينه .. في الخارج صوت آخر للأم: "حسبنا الله ونعم الوكيل .. الله عليهم اليهود .. قضوا على حياة ابني", هدوء آخر وبسمة بحرقة, "محمد": مرحبًا بك وآسف على هذا الوضع .. أترى هذه المعلقات .. وضعتها كي أراها كل يوم لتكون مصدرًا للإيجابية والدافعية عندي للاستمرار كي أصل لهدفي الذي أحلم, آآآآآآه .. الآن كل شيء انتهى .. كما ترى فقدت قدمي ولا أستطيع المشي حتى أستطيع لعب هوايتي المفضلة "كرة القدم".


39880719_538274173281792_1219274939694055424_n

وجع الذاكرة

لا يمل المصاب "محمد" وهو على سريره أو كرسيه المتحرك من مشاهدة ماضيه الرياضي الذي يحتفظ به في جهازه المحمول .. ذاكرة يستحضر معها فرحٌ سرعان ما يغلبه واقع يعيده إلى النقطة التي أوقفته عندها رصاصة قناصة الاحتلال وجعلته أسيرًا للإعاقة, بعدما كان يمشي على قدميه لقضاء حاجاته, وممارسة رياضة "كرة القدم" التي كان يحب ويعشق.

يراجع "أبو عبيد" ملف الصور الذي يظهره أثناء وجوده في الملاعب .. ينظر إلى أحد الفيديوهات التي يسجل خلالها هدفًا ويتبعه برقصة فرح بهذا الهدف, لتعود الدموع مرة أخرى, وكأنها مصيره في هذه الحياة.

الوجع هو ذات الوجع, أما الذاكرة فهي متقلبة, تأتي بكل ما هو جميل وتصطدم بواقع ليته منامًا سيستيقظ منه "محمد" .. ليته خيالاً تراءى له .. ليته سرابًا .. ليته أي شيء, باستثناء الحال الذي سيصاحبه طيلة عمره .. أيها القارئ!! أقول لك هذا هو الاحتلال وإجرامه .. هذه هي رؤية الاحتلال وطبيعته المتجذرة في عقله, وبها يمضي في عنجهيته.

 
34728551_924302391073881_7930202171948138496_n

رجلي راحت

كان أول ما نطق به اللاعب "أبو عبيد" لحظة إصابته برصاص الاحتلال "رجلي راحت", فهو يعلم جيدًا أنه مقصود ومن خلفه الرياضة الفلسطينية التي تقدمت سريعًا في المحفل الرياضي العربي والدولي, برغم إجراءات الاحتلال التي تعيق طريقها, كونها تمثل شكلاً من أشكال التطور الحضاري لأي وطن.

وفي ذات المشهد, حالة من الحزن سيطرت على اللاعب "محمد" وأنسته وجع الإصابة, وطوقت تفكيره في المستقبل الذي يحلم ذات يوم الوصول إليه .. وجه شاحب عابس, ودموع منهمرة, ولسان ينطق يائسًا: "براحتكم, لا أريد أن أفقد قدمي" .. يكررها مرارًا وتكررًا للذين حملوه إلى أقرب نقطة إسعاف عند الدود الشرقية لقطاع غزة, لعل في ذلك أمل ينجيه من الإجرام الصهيوني, إلا أن النتيجة كانت عكس ما توقع .. فهو بالكاد الآن وبمساعدة الآخرين يستطيع قضاء احتياجاته.


41695162_551197931989416_8199844140096159744_n

صدمة وانهيار

لم تكن باللحظات السهلة, تلك التي جاءت فور الخروج من العملية الجراحية في إحدى مستشفيات القطاع, ذهب تأثير "البنج", وعاد "محمد" بعد سويعات إلى الحقيقة التي لا مفر منها, يسأل الطبيب: هل لك أن تطمئنني على قدمي؟., فنزلت الإجابة كالصاعقة على الشاب الذي لم يستطع تحمل تلك الكلمات الثقيلة, صدم وانهار على وقع خبر أنهى كل ما جد واجتهد من أجله, إجابة أخذت معها كل أمل, كل فرصة كان من الممكن اقتناصها للوصول إلى الهدف.

لحظات لا يمكن أن تنسى, ستبقى محفورة في الذاكرة .. ذاكرة الألم والوجع, ماذا تتوقع من شخص تخبره أنه بالكاد سيستطيع المشي ولا شيء سوى المشي وباحتمالات متوسطة, وهو الذي كان تارة يمرر الكرة لأصدقائه وأخرى يقفز عاليًا ليضربها برأسه, وثالثة يسجل الأهداف, ليس غريبًا على سجل احتلالي مليء بالجرائم أن ينهي حياة أي مواطن بهذا الشكل وهذه الطريقة, وهو ما حصل مع اللاعب "محمد أبو عبيد".


56456878674.JPG

لا حلم ولا حقيقة

أكثر من ساعة جلست كي أجري المقابلة مع اللاعب "أبو عبيد" .. الشعور بالألم ومراقبة العين التي لم تغادرها الدموع إلا بعض الوقت, لم تشعرن بمرور الوقت, أسأل, فـ مرة يجيب وأخرى يصمت, كنت أحاول على قدر الاستطاعة ألا أطيل النظر إليه, كي لا يشعر بشفقتي عليه, وألا يفكر ولو للحظة واحدة أنه ضعيف, وفي إحدى المرات التي كنت أحدق بها في الأرض, فإذا به يقول: "اسمعني", نظرت إليه .. سحب نفسًا عميقًا وتنهد قائلاً: "باختصار المسيرة الرياضية عندي انتهت" .. بحسرة نطق المصاب "محمد" هذه الكلمات الخارجة من أعماق قلبه المقهور.

لم يترك رصاص الاحتلال للاعب "أبو عبيد" لا حلمًا ولا حقيقة, كلاهما قضيَ عليه وأصبح شيئًا لم يكن, كان الاحتراف مع فريق رياضي عربي أو دولي بمثابة الحلم, فيما الحقيقة أنه كان لاعب كرة قدم في مدينته الصغيرة غزة, لم يحظ بالبقاء في هذه أو تلك, كل شيء ذهب أدراج الرياح.

المتابعة والمشاهدة الكروية للدوريات المختلفة بدت بعد الإصابة بالنسبة للشاب "محمد" مصدر كآبة بعدما كانت ملهمة وباعثة للفرح, كان يشاهد مشاهير الرياضيين حول العالم, ويحلم باللاعب إلى جانبهم أو ضدهم, إلا أن واقع الاحتلال لم يبق حلمًا ولا حقيقة, بل وأضحى كابوسًا مزعجًا يصعب الاستيقاظ منه.
34102753_1885381704865680_3238182771683753984_n

ضحايا رياضيون

واجهت الرياضية الفلسطينية منذ نشأتها تحديات وصعوبات, كان أبرزها الاحتلال الإسرائيلي, وقد ودعت الرياضة الفلسطينية منذ نكبة عام 1948 عشرات الرياضيين شهداء, قضوا برصاص الاحتلال, فيما الآلاف أبعدوا قصرًا عن الملاعب إما بسبب الإصابة أو الاعتقال.

ومنذ انطلاق فعاليات مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار في الـ "30" من شهر مارس / آذار العام 2018 المنصرم , والتي انطلقت على السياج الشرقي لمحافظات قطاع غزة ،  ارتقى شهيدٌ طفل وهو حسين ماضي صاحب الأربعة عشر عاما ، وكان أحد لاعبي نادي غزة الرياضي ، عندما أصابت رأسه رصاصة متفجرة اطلقها جندي إسرائيلي بشكل مباشر نحوه ما ادى لاستشهاده على الفور, فيما أصيب العشرات من الرياضيين, كان أبرزهم لاعب كرة القدم بنادي جمعية الصلاح "محمد أبو عبيد" ، عندما استهدف جنود الاحتفيما بُترت قدم اللاعب "علاء الدالي" لاعب منتخب فلسطين للدراجات الهوائية الفلسطينية ، جراء إصابته برصاصة متفجرة في ركبته ، ما اضطر الأطباء لبترها بعد عجزهم عن القيام بعلاج الشاب العشريني في حينه.


تنزيل
images
dsthedrthertyert6uye4uye45.JPG

التعليقات

تعليقك على الموضوع